تاريخ النشر : 08-04-2026
المشاهدات : 2
السؤال
ما حكم قراءة القرآن أو مسِّ المصحف لمن كان على جنابة؟

الاجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، أما بعد:
فقد ذهب جمهور أهل العلم من الفقهاء، وهم أصحاب المذاهب الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ومن قبلهم كثير من الصحابة رضي الله عنهم، كـ عمر وعلي وابن عمر وسلمان الفارسي وغيرهم، ثم من بعدهم عدد من أهل العلم، كـ ابن تيمية، وفي العصر الحديث الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وعلماء اللجنة الدائمة، إلى تحريم قراءة القرآن على الجنب، ومن باب أولى تحريم مسِّ المصحف.
لكن عند التأمل في أدلتهم نجد أن أكثر ما استدلوا به أحاديث ضعيفة، إلا حديثًا واحدًا هو عمدة الباب، وهو حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
"كان رسول الله ﷺ لا يحجبه - أو لا يحجزه - عن القرآن شيء إلا الجنابة."
وهذا الحديث قد اختلف أهل العلم في تصحيحه وتضعيفه؛
فمن صححه بعض أهل العلم، ومنهم الترمذي، وأحمد شاكر، والشيخ ابن باز رحمهم الله،
ومنهم من ضعفه، كـ الألباني رحمه الله.
بل إن الحافظ ابن حجر رحمه الله، مع ميله إلى تحسينه، نقل عن ابن خزيمة رحمه الله كلامًا مهمًّا، وهو أن:
هذا الحديث ليس فيه نهيٌ صريح، وإنما هو حكاية فعل للنبي ﷺ.
أي: أنه يصف حال النبي ﷺ، وأنه كان لا يقرأ القرآن حال الجنابة، لكن لم يرد فيه نصٌّ صريحٌ بالتحريم.
وهذا فرق مهم؛ لأن حكاية الفعل لا تدل دائمًا على التحريم.
فمثلًا: لو قيل:
"كان رسول الله ﷺ لا يأكل على خِوان"
فهل يفيد ذلك تحريم الأكل على طاولة أو شيء مرتفع؟
الجواب: لا.
وكذلك هنا، فإن ترك النبي ﷺ لقراءة القرآن حال الجنابة قد يُفهم منه التنزه والاستحباب، أي: أن الأفضل أن يقرأ المسلم القرآن وهو على طهارة كاملة، لكن لا يلزم من ذلك التحريم.
القول الآخر: جواز قراءة الجنب للقرآن
وذهب بعض أهل العلم، ومنهم الظاهرية كـ داود الظاهري وابن حزم، إلى جواز قراءة القرآن للجنب.
واستدلوا بعدة أدلة، منها:
1) حديث عائشة رضي الله عنها
"كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه."
قالوا: والقرآن من أعظم الذكر، فيدخل في هذا العموم، ومن ضمن الأحوال: حال الجنابة.
لكن أجاب الجمهور عن هذا الاستدلال بأن المقصود في الحديث هو الذكر المطلق، كالتسبيح والتحميد والتهليل ونحو ذلك، وليس المقصود به تلاوة القرآن.
وهذا جواب قوي ومعتبر.
2) حديث عائشة رضي الله عنها في الحج
لما حاضت قال لها النبي ﷺ:
"افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت."
فقال بعض أهل العلم: من أعمال الحاج قراءة القرآن، فدل ذلك على جوازه للحائض، وبالتالي قد يُقاس عليه الجنب.
لكن أجيب عن هذا أيضًا بأن قراءة القرآن ليست من أعمال الحج الخاصة التي يتوجه إليها الحديث، وإنما المقصود أعمال المناسك، كالإحرام والوقوف بعرفة والمبيت والرمي ونحو ذلك.
وهذا الجواب أيضًا قوي.
النتيجة في المسألة
فالخلاصة أن:
الأدلة التي استُدل بها على المنع ليست صريحة في التحريم.
والحديث الأساسي في الباب مختلف في صحته.
وحتى على فرض صحته، فهو ليس نصًّا صريحًا في النهي.
ولذلك فإن الأقرب - والله أعلم - أن قراءة الجنب للقرآن ليست محرمة تحريمًا صريحًا،
لكن الأفضل والأكمل أن لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، تعظيمًا لكلام الله، وخروجًا من الخلاف.
خصوصًا وأن الجنب أمره بيده، بمعنى أنه يستطيع أن يبادر بالغُسل، بخلاف الحائض مثلًا، فإن أمرها ليس بيدها وقد تطول مدتها.
ولهذا قد يُقال في حق الجنب:
الأولى له أن يتنزه عن قراءة القرآن حتى يغتسل،
لا أن ذلك محرمٌ عليه تحريمًا قاطعًا.
استدلال آخر ذكره المجيزون
واحتج من أجاز أيضًا بحديث كتاب النبي ﷺ إلى هرقل، وفيه قوله تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...}
فقالوا: هذا يدل على جواز كتابة القرآن في الرسائل، ووصوله إلى من ليس على طهارة.
لكن أجيب عن ذلك بأن هذه رسالة مختلطة، فيها كلام الله مع كلام البشر، وليست مصحفًا مستقلًّا، ولذلك لا يصح أن يُقاس عليها مسُّ المصحف.

logo